الغزالي

92

إحياء علوم الدين

رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول ، فأطرق عمر زمانا طويلا ، ثم قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان ، فأنال منك اليوم ما تناله منى غدا . وقال بعضهم لابنه ، يا بني ، لا يثبت العقل عند الغضب ، كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة . فأقل الناس غضبا أعقلهم . فإن كان للدنيا كان دهاء ومكرا ، وإن كان للآخرة كان حلما وعلما . فقد قيل الغضب عدو العقل ، والغضب غول العقل . وكان عمر رضي الله عنه إذا خطب قال في خطبته ، أفلح منكم من حفظ من الطمع ، والهوى ، والغضب . وقال بعضهم ، من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار . وقال الحسن : من علامات المسلم قوة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين ، وعلم في حلم ، وكيس في رفق ، وإعطاء في حق ، وقصد في غنى ، وتجمل في فاقة ، وإحسان في قدرة ، وتحمل في رفاقة ، وصبر في شدة ، لا يغلبه الغضب ، ولا تجمح به الحمية ، ولا تغلبه شهوة ، ولا تفضحه بطنه ، ولا يستخفه حرصه ، ولا تقتصر به نيته ، فينصر المظلوم ، ويرحم الضعيف ، ولا يبخل ، ولا يبذر ، ولا يسرف ، ولا يقتر ، يغفر إذا ظلم ، ويعفو عن الجاهل ، نفسه منه في عناء ، والناس منه في رخاء وقيل لعبد الله بن المبارك ، أجمل لنا حسن الخلق في كلمة . فقال ترك الغضب وقال نبي من الأنبياء لمن تبعه ، من يتكفل لي أن لا يغضب ، فيكون معي في درجتي ، ويكون بعدي خليفتي . فقال شاب من القوم ، أنا . ثم أعاد عليه ، فقال الشاب أنا أو في به فلما مات كان في منزلته بعده ، وهو ذو الكفل . سمى به لأنه تكفل بالغضب ، ووفى به . وقال وهب ابن منبه ، للكفر أربعة أركان ، الغضب ، والشهوة ، والخرق ، والطمع بيان حقيقة الغضب اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان ، بأسباب في داخل بدنه ، وأسباب خارجة عنه ، أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ، ويدفع عنه الهلاك ، إلى أجل معلوم سماه في كتابه . أما السبب الداخل ، فهو أنه ركبه من الحرارة والرطوبة ، وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تخلل الرطوبة . وتجففها ، وتبخرها ،